الخطيب الشربيني
397
تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )
أصابتهم الشدة فتوقف في كونهم مؤمنين ، وسئل قتادة عن أصحاب الجنة أهم من أهل الجنة أم من أهل النار ؟ قال : لقد كلفتني تعبا ، والأكثرون يقولون : إنهم تابوا وأخلصوا حكاه القشيري . ولما كان المقام لترهيب من ركن إلى ماله واحتقر الضعفاء من عباد الله تعالى ولم يجلهم بجلاله طوى ذكر ما أنعم به عليهم وذكر ما يخوفهم ، فقال تعالى مرهبا : كَذلِكَ أي : مثل هذا الذي بلونا به أصحاب الجنة من إهلاك ما كان عند أنفسهم في غاية القدرة عليه والثقة به مع الاستحسان لفعلهم والاستصواب ، وهددنا به أهل مكة فلم يبادروا إلى المتاب . الْعَذابُ أي : الذي نحذرهم منه ونخوفهم به في الدنيا ، فإذا تم الأجل الذي قدرناه له أخذناهم به غير مستعجلين ولا مفرطين لأنه لا يعجل إلا ناقص يخاف الفوت وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أي : الذي يكون فيها للعصاة أَكْبَرُ أي : من كل ما يتوهمون لَوْ كانُوا أي : الكفار يَعْلَمُونَ أي : لو كان لهم علم بشيء من غرائزهم في وقت من الأوقات لرجعوا عما هم فيه . ولما ذكر ما لأهل الجمود الذين لا يجوزون الممكنات ذكر تعالى أضدادهم ، فقال تعالى مؤكدا لأجل إنكارهم : إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ أي : العريقين في صفة التقوى عِنْدَ رَبِّهِمْ أي : المحسن إليهم في موضع دوم أولئك وجنة آمالهم جَنَّاتِ جمع جنة وهي لغة : البستان الجامع ، وفي عرف الشرع : مكان اجتمع فيه جميع السرور وانتفى عنه جميع الشرور النَّعِيمِ أي : جنات ليس فيها إلا النعيم الخالص لا يشوبه ما ينغصه كما يشوب جنات الدنيا . قال مقاتل : لما نزلت هذه الآية قال كفار مكة للمسلمين : إن الله تعالى فضلنا عليكم في الدنيا ، فلا بدّ وأن يفضلنا عليكم في الآخرة ، فإن لم يحصل التفضيل فلا أقل من المساواة فأجابهم الله تعالى بقوله سبحانه : أَ فَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ أي : الذين هم عريقون في الانقياد لأوامرنا والصلة لما أمرنا بوصله طلبا لمرضاتنا ، فلا اختيار لهم معنا في نفس ولا غيرها لحسن جبلاتهم كَالْمُجْرِمِينَ أي : الراسخين في قطع ما أمرنا به أن يوصل وأنتم لا تقرون بمثل هذا ، ففي ذلك إنكار لقول الكفرة ، فإنهم كانوا يقولون أيضا : إن صح أننا نبعث كما يزعم محمد ومن معه لم يفضلونا ، بل نكون أحسن حالا منهم كما نحن عليه في الدنيا . وقوله تعالى : ما لَكُمْ أي : أيّ شيء يحصل لكم من هذه الأحكام الجائرة البعيدة عن الصواب كَيْفَ تَحْكُمُونَ أي : أيّ عقل دعاكم إلى هذا الحكم الذي يتضمن التسوية من السيد بين المحسن من عبيده والمسئ مع التفاوت ، فيه تعجب من حكمهم واستبعاد له وإشعار بأنه صادر عن اختلال فكر واعوجاج رأي . أَمْ أي : بل أ لَكُمْ كِتابٌ أي : سماوي معروف أنه من عند الله خاص بكم فِيهِ أي : لا في غيره من أساطير الأولين تَدْرُسُونَ أي : تقرؤون قراءة أيقنتكم . إِنَّ لَكُمْ أي : خاصة على وجه التأكيد الذي لا رخصة في تركه لَما تَخَيَّرُونَ أي : ما تختارونه وتشتهونه ، وكسرت وكان حقها الفتح لولا اللام لأن ما بعدها هو المدروس ، ويجوز أن تكون الجملة حكاية للمدروس وأن تكون استئنافية . أَمْ لَكُمْ أَيْمانٌ أي : عهود ومواثيق عَلَيْنا قد حملتمونا إياها بالِغَةٌ أي : واثقة لأيمان ، وقوله تعالى : إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ متعلق بما تعلق به لكم من الاستقرار ، أي : ثابتة لكم إلى يوم القيامة ، أي : مبالغة ، أي : تبلغ إلى ذلك اليوم وتنتهي إليه . وقوله تعالى : إِنَّ لَكُمْ لَما